اسماعيل بن محمد القونوي
527
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والإضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب فإنه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد وعن المعتقد لنقيضه أبعد ) وما ذكرناه مماشاة مع من ذهب إلى أن الإضراب من مقدر قوله فإنه أي السؤال من المعرض أفرده لكون المراد الجنس قوله الغافل عن الشيء « 1 » أي عن تفكره بعيد قوله وعن المعتقد لنقيضه بعد فيكون بل للترقي من البعيد إلى الأبعد وإنما قال لنقيضه لأن الإضراب الثاني وهو أم لهم آلهة مناف ليكون الحافظ هو اللّه تعالى فإن منع آلهة لحفظها مع أن المسؤول عنه هو الرحمن فح الأمر بالسؤال بضرب عنه إذ السؤال عن ذلك أبعد . قوله : ( استئناف بإبطال ما اعتقدوه ) استئناف أي استئناف معاني بإبطال ما اعتقدوه من أن آلهتهم يكلؤهم فيكون هذا الاستئناف منزلة الدليل على الإنكار المذكور كما أوضحناه آنفا . قوله : ( فإن ما لا يقدر على نص نفسه ولا يصحبه نصر من اللّه فكيف ينصر غيره ) فإن ما لا يقدر أشار إلى أن التعبير بلا يستطيعون أبلغ من لا ينصرون والتعبير بما إشارة إلى كونها جمادا والتعبير عنها بصيغة العقلاء لزعمهم أنها آلهة قوله فكيف ينصر غيره فيثبت عدم نصره بطريق برهاني ولهذا كان ما اختير في النظم أبلغ من لا يستطيعون غيرهم فيكون كالدليل بملاحظة هذا اللازم « 2 » . قوله : والإضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب أي الإضراب الأول وهو قوله : بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 42 ] والثاني هو أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فإن أم فيه بمعنى بل واقعان عن الأمر بالسؤال وهو قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ [ الأنبياء : 42 ] على ترتيب مراتب البعد في السؤال عن الكالىء فإن السؤال من المعرض العاقل عن الشيء بعيد فاستبعد هذا بالإضراب الأول والسؤال عن الشيء من المعتقد لنقيصه أبعد فاستبعد هذا بالإضراب الثاني وجه كونه أبعد من الأول لأن قلب الغافل عن الشيء خال عن صورة ذلك الشيء لكنه قابل لأن ترتسم هي فيه بأن ينبه عليه أو يعلمه معلم أو يستدل هو بنظر عليه والمعتقد بنقيض الشيء غير خال قلبه بل هو مشغول بصورة نقيضه فهو غير قابل لأن ترتسم فيه صورة عين ذلك الشيء ولذلك قالوا البلاهة أقرب إلى الخلاص من فطانة بتراء . قوله : استئناف بإبطال ما اعتقدوه أي هذا استئناف كلام وقع جوابا لسؤال عن سبب الحكم المنفى الذي دل عليه الاستفهام الإنكاري في قوله : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا [ الأنبياء : 43 ] وذلك الحكم هو ليس لهم آلهة دوننا فكان سائلا قال لأي شيء لا يصلح ما اعتقدوه آلهة دون اللّه للألوهية فأجيب بأن عدم صلاحيتهم للألوهية لعجزهم وعدم استطاعتهم نصر أنفسهم والعاجز لا يكون إلها فهو برهان قاطع لبطلان ما اعتقدوه من وجود الآلهة دون اللّه تعالى .
--> ( 1 ) والمراد ومن الشيء هنا مضمون هوان الكالىء هو اللّه تعالى فالإعراض عن ذكر اللّه والغفلة عنه ملزوم للغفلة عن هذا كذا قيل . ( 2 ) ولا يصحبه نصر الخ إشارة إلى أن الجار والمجرور صفة لموصوف محذوف أي ولا هم بنصر منا يصحبون أي يحفظون وتغيير الأسلوب للمبالغة فيه .